حسن الأمين
301
مستدركات أعيان الشيعة
فقال : « معنى تقيء : تخرج ما فيها . . . وقوله تقيء . . . تشبيه واستعارة من حيث كان إخراجا وإظهارا ، وكذلك تسمية ما في الأرض من الكنوز كبدا ، تشبيها بالكبد التي في بطن البعير . قال « مرة بن محكان السعدي » يصف قدرا نصبها للأضياف . لها أزيز يزيل اللحم أزمله عن العظام إذا ما استحمشت غضبا ترمى السلاة بنبل غير طائشة وقعا إذا آنست من تحتها خطبا فوصفها بالغضب تشبيها واستعارة . فاما الأزيز فهو الغليان . والعرب تقول : لجوفه أزيز مثل أزيز المرجل . والأزمل . . الصوت . واستحمشت . . غضبت ، يقال : حمشه أي أغضبه . وقال « النابغة الجعدي » في معنى الاستعارة : سألتني عن أناس نهلكوا شرب الدهر عليهم وأكل فوصف الدهر بالأكل والشرب ، تشبيها واستعارة ، وقال قوم : معنى البيت : شرب أهل بعدهم وأكلوا . ( 1 ) ويحسن أن تنتبه إلى جملة ما في عبارته هذه من التفاتات بلاغية لم تكن معروفة في عهده على هذا الوجه من الوضوح فقد أدرك أولا أن الاستعارة من المجاز ومن التشبيه . وأوما أخيرا إلى الفرق بين المجاز والمرسل والمجاز العقلي ، الأمر الذي يخيل لنا أنه لم ينتبه إليه إلا بعد حين من حياة المرتضى . و - وتحدث عن « الكناية » في قول حسان بن ثابت : بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول فقال : « الشم : الارتفاع في كل شيء ، فيحتمل أن يكون » حسان « أراد بشم الأنوف ما ذكرناه ، من ورد الأرنبة » أرنبة الأنف « لأن ذلك عدهم دليل العتق والنجابة ، ويجوز أن يريد بذلك الكناية ، أي نزاهتهم وتباعدهم عن دنايا الأمور ورذائلها ، وخص الأنوف بذلك ، لأن الحمية والغضب والأنف فيها ، ولم يرد طول أنوفهم . وهذا أشبه بان يكون مراده ، لأنه قال بيض الوجوه ، ولم يرد بياض اللون في الحقيقة وإنما كنى بذلك عن نقاء أعراضهم ، وجميل أفعالهم ، كما يقول القائل ، جاءني فلان بوجه أبيض . ( 2 ) ز - ومنها التفاته إلى خصائص ودقائق حروف المعاني . - وخصائص الحروف من أدق المعاني البلاغية - حين تكلم عن قوله تعالى : * ( ( فخر عليهم السقف من فوقهم ) ) * فقال : « وللعرب في هذا مذهب وطريق لطيف ، لأنهم لا يستعملون لفظة » على « في مثل هذا الموضع إلا في الشر والأمر المكروه ، ويستعملون اللآم وغيرها في خلاف ذلك ، أي : أنهم لا يقولون : عمرت على فلان ضيعته ، ولا ولدت عليه جاريته ، بل يقولون : ولدت له جازيته ، وعمرت له ضيعته وهكذا من شأنهم إذا قالوا : قال علي ، وروى علي ، فإنه يقال في الشر والكذب ، وفي الخير والحق يقولون : قال عنى ، وروى عني ، قال الشاعر : عرضت نصيحة مني « ليحيى » فقال غششتني والنصح مر وما بي أن أكون أعيب « يحيى » و « يحيى » طاهر الأخلاق حر ولكن قد أتاني أن « يحيى » يقال عليه في بقعاء شر فقلت له : تجنب كل شيء يعاب عليك إن الحر حر ومثله قول الفرزدق في « عنبسة بن معدان » المعروف ب « عنبسة الفيل » : وقد كان يتبع شعره ويخطئه ويلحنه . . . لقد كان في « معدان » و « الفيل » زاجر ل « عنبسة » الراوي علي القصائدا ( 3 ) ح - ومثل ذلك إدراكه لمعنى الآية : * ( ( إن الذين يكفرون بآيات الله ، ويقتلون النبيين بغير الحق ) ) * ردا على من تخيل أن قتل الأنبياء قد يكون بحق : « إن للعرب فيما يجرى هذا المجرى عادة معروفة ، ومذهبا مشهورا ، عند من تصفح كلامهم ، ومرادهم بذلك المبالغة في النفي وتأكيده ، فمن ذلك قولهم : فلان لا يرجى خيره » ليس يريدون أن فيه خيرا لا يرجى ، وإنما غرضهم أن لا خير عنده على وجه من الوجوه . قال امرؤ القيس يصف طريقا : على لاحب لا يهتدى بمناره . أراد أنه لا منار له ، فيهتدى بها وقال : ابن أحمر « : لا تفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر أراد ليست بها أهوال فتفزع الأرنب وقال « سويد بن أبي كاهل » : من أناس ليس من أخلاقهم عاجل الفحش ولا سوء الجزع لم يرد أن في أخلاقهم فحشا أجلا ، وإنما أراد نفي الفحش والجزع عن أخلاقهم . . . وعلى هذا يقع تأويل الآيات : * ( ( الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ) ) * وقوله تعالى : * ( ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) ) * . . . ( 4 ) ولست أبغى استعراض جملة ما له من خواطر بلاغية فقد يطول بي البحث عندها ، ولكني ذكرت ما بكفى للتنوية بان الرجل كان من فهم الأساليب والإحاطة بما عرف في عهده من مصطلحات بلاغية بالمكان الذي يجعله في طليعة الناقدين الوصفيين . وخلاصة القول في آرائه البلاغية ، أنها كانت حلقة الوصل بين ما بدأه الجاحظ من إشاعة الخواطر البلاغية عند نقد النصوص في كتابه « البيان والتبيين » وما انتهى إليه « الجرجاني » من تركيز تلك الخواطر وتصنيفها إلى أبواب مستقلة في كتابيه « دلائل الاعجاز » و « أسرار البلاغة » وإن خواطره لو جمعت ووصلت ببعضها لألفت شطرا كبيرا من مسائل البلاغة وبخاصة ما كان أدخل منها في علم المعاني . وأما موازناته بين الشعراء ، فبحسبك أن له بين أيدينا مؤلفين في الموازنة :
--> ( 1 ) الأمالي ج 1 ص 247 ط مصر . ( 2 ) الأمالي ج 1 ص 352 ط مصر . ( 3 ) الأمالي ج 1 . ( 4 ) الأمالي ج ص 280 - انظر شرحه لقصيدة أبي نواس : « يامنة أمتنها السكر » وما اختاره من شعر « مروان بن أبي حفصة » ، ونبه عليه من معانيه وسرقاته ج 2 ص 532 - 589 . ولعله بعمله هذا قد حفظ لنا جملة ما ل « مروان » من شعر .